ترصد الكاتبة أنشال فوهرا في هذا التحليل مواقف الدول الأوروبية إزاء الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وتوضح أن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا يدعوان إلى احترام القانون الدولي، في وقت يوجه فيه قادة أوروبيون انتقادات إلى سياسات طهران. غير أن العواصم الأوروبية ما تزال عاجزة عن صياغة موقف موحد، بينما تتصاعد الأزمة في الشرق الأوسط وتزداد تداعياتها المحتملة على أوروبا والعالم.


ويشير تقرير دويتشه فيله إلى أن الاتحاد الأوروبي يواجه معضلة استراتيجية؛ إذ يكتفي القادة الأوروبيون بالدعوات الدبلوماسية وضبط النفس، بينما تتزايد الضغوط الأمنية مع اتساع نطاق الحرب. ويرى خبراء أن الحكومات الأوروبية تميل إلى تبني نهج دفاعي يركز على حماية المصالح الأوروبية وتجنب الانخراط العسكري المباشر.


أوروبا بين الانقسام والضغوط الأميركية

 


يعكس الموقف الأوروبي حالة انقسام واضحة بين العواصم الرئيسية. ويؤكد كورنيليوس أديبار، الباحث في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، أن دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا تتفق على اتخاذ إجراءات دفاعية إذا تعرضت دولة أوروبية لهجوم، كما تبدي استعداداً لمساعدة دول الخليج بوسائل دفاعية. لكن الخلاف يظهر حول أهداف الحرب التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحول حجم الدعم الذي ينبغي تقديمه للولايات المتحدة.


ويقول أديبار إن الدول الأوروبية لن تتوصل إلى موقف موحد بشأن الحرب، كما يستبعد مشاركة أي دولة أوروبية في العمليات العسكرية إلى جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل.


تتزايد الضغوط الأميركية في الوقت نفسه. فقد دعت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت الحلفاء الأوروبيين إلى دعم الحرب، مؤكدة أن واشنطن تتوقع مساندة حلفائها في مواجهة ما تصفه بالإيراني “المارق”.

 

وأظهر ترامب استياءه من تردد بعض القادة الأوروبيين. فقد انتقد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعدما أعرب الأخير عن شكوكه في قانونية الحرب ورفض فكرة تغيير النظام عبر القصف الجوي، رغم سماحه للولايات المتحدة باستخدام قاعدتين عسكريتين بريطانيتين.


يمثل موقف بريطانيا جزءاً من دور أوسع تؤديه الدول الأوروبية الثلاث الكبرى، وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، التي شاركت سابقاً في صياغة الاتفاق النووي مع إيران. وتباينت مواقف هذه الدول في الأزمة الحالية؛ إذ أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس دعماً واضحاً لواشنطن خلال زيارة إلى البيت الأبيض، وسمح للقوات الأميركية باستخدام قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا.


في المقابل، اتخذت فرنسا موقفاً أكثر حذراً. فقد وافقت باريس على استقبال طائرات أميركية في قواعد محددة، لكنها اشترطت عدم استخدام تلك الطائرات لتنفيذ هجمات على إيران، واقتصار دورها على دعم عمليات الدفاع في المنطقة.


المخاوف الأمنية الأوروبية

 


تزايدت المخاوف في أوروبا بعد الهجوم الذي نفذته إيران بطائرات مسيرة على قاعدة لسلاح الجو البريطاني في قبرص، وهي منطقة تخضع لسيادة بريطانية داخل أراضي الاتحاد الأوروبي. وأرسلت عدة دول أوروبية سفناً حربية إلى المنطقة، من بينها إيطاليا واليونان وهولندا وفرنسا، في خطوة هدفت إلى تعزيز الحماية الأمنية.


ويرى تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي في واشنطن، أن إيران تدرك أن مهاجمة أهداف أوروبية قد توسع نطاق الحرب. ويعتقد أن طهران ربما تسعى إلى فرض كلفة على أوروبا لإجبارها على الضغط من أجل إنهاء الصراع.


كما حذر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته من أن إيران تمثل تهديداً لأوروبا، واصفاً إياها بأنها مصدر للفوضى وأنشطتها تشمل مؤامرات إرهابية ومحاولات اغتيال داخل الأراضي الأوروبية.


تثير الحرب أيضاً مخاوف اقتصادية وأمنية أوسع. فقد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى ضغوط اقتصادية كبيرة على القارة الأوروبية، بينما قد يدفع استمرار الصراع موجات هجرة جديدة من إيران عبر تركيا نحو أوروبا. وتشير مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى ضرورة الاستعداد لهذا السيناريو إذا طال أمد الحرب.


حرب ليست أولوية أوروبية

 


يؤكد خبراء أن معظم الحكومات الأوروبية لا تنظر إلى الحرب مع إيران باعتبارها أولوية قصوى. فالقارة الأوروبية تركز بصورة أساسية على الحرب في أوكرانيا وعلى التوتر المتصاعد مع روسيا.


ويشير كورنيليوس أديبار إلى أن كثيراً من الدول الأوروبية ترى أن الحرب مع إيران ليست حربها المباشرة، وأن التورط العسكري قد يخلق تهديدات أمنية أكبر للقارة.


وتبرز إسبانيا بوصفها الدولة الأوروبية الأكثر رفضاً للحرب. فقد أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز معارضته الصريحة للصراع ورفض السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية الإسبانية في أي هجوم على إيران. وأثار هذا الموقف غضب ترامب الذي هدد بقطع العلاقات التجارية مع مدريد.


في المقابل، تميل ألمانيا إلى الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة حتى في ظل الخلافات السياسية. ويرى محللون أن برلين تسعى إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وعلاقاتها عبر الأطلسي.


ويربط القادة الأوروبيون أيضاً بين الحرب في الشرق الأوسط والصراع في أوكرانيا. فقد حذرت كايا كالاس من أن نقل أنظمة الدفاع الجوي والأسلحة إلى الشرق الأوسط قد يقلل الدعم العسكري الموجه إلى كييف. كما قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة عائدات روسيا، ما يمنح موسكو موارد إضافية لمواصلة حربها ضد أوكرانيا.


في ظل هذه الحسابات المعقدة، تبدو أوروبا عالقة بين الضغوط الأميركية ومخاوفها الأمنية والاقتصادية، بينما يواصل الصراع في الشرق الأوسط إعادة تشكيل موازين القوى الدولية.

 

https://www.dw.com/en/where-does-europe-stand-on-the-us-israel-war-with-iran/a-76247729